إبراهيم أبو صفية
هناك حالة من الاغتراب التي وصلت مرحلة الكُفر؛ جعلت العديد من الثائرين في الزمن الموازي، زمن الثورة والانتفاضة، إما يختارون طريق الاعتكاف والانعزال والصمت أو طريق التغيير وما أصعبها!!، أو تغييبهم عنوة لصالح المطبعين في زمن الدولة.
هذا الاختيار الذي غيب تضحيات جسام فداء بأرواحهم، وأصبحوا كأنهم نسيا منسيا، عادوا اليوم بعد رحيلهم وموتهم الذي نبهنا بأنهم موجودين خالدين في الذاكرة الثورية النظيفة.
كأن موتهم في هذه الظروف، يريد أن يقرع خزان الذاكرة ويهدم السور الذي بنيناه على ضمائرنا، رحيلهم القادم إلينا بقوة التاريخ، يخض مضاجعنا، أن اصحوا من غفلتكم قبل أن يطويكم طوفان الذل والعار.
لو أن هناك وضع وطني صحي وطبيعي؛ فإن أمثال الثائر التحرري المجاهد عزام الشويكي والمناضل الوطني الرفيق نادر العفوري، لا يتم تهميشهم ولاتطويهم غياهب النسيان؛ ولا يتم تهميشهم على حساب إظهار أصحاب البدل المخملية.
وكان من الواجب أيضا، أن يتم رعاية هذه النماذج الثورية، ليجوب كل واحدمنهم مدارس وجامعات ومعاهد الوطن ونقلوا لأجيالنا تجاربهم الأسطورية في الصمود والعمل التنظيمي والثوري، والإخلاص في العمل المقاوم، والالتزام بالمبادئ التحررية والحرية.
عزام الشويكي
ولد عزام عبد الرحيم الشويكي سنة 1961، في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، لعائلة محافظة ذي مكانة اجتماعية، حيث أنه سار إلى رئاسة مجلس عائلة الشويكي منذ أن اشتد عود شبابه.
نذر الشويكي حياته للعمل الجهادي، ماضيا في سبيل الله وفلسطين، فسار في حياته بين العمل المقاوم والمنفى والسجون، فكان من مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية المحتلة.
وقاد مع الشباب الثائر الانتفاضة الأولى وأبعد على إثرها إلى مرج الزهور، أظهر صلابة كبيرة في أقبية التحقيق مما استدعى المخابرات الصهيونية لمحاولة إيقاعه في "كمين " نجى منه.
في بداية الانتفاضة الثانية، نظم شقيقه "ذياب" للعمل ضمن صفوف حركة الجهاد، وفيما بعد أصبح الأخير قائدا في الذراع العسكرية للحركة، حيث أشرف على العديد من العمليات، وأبرزها عملية "زقاق الموت".
عمل الشويكي على بناء مسجد في مدينة الخليل، وأطلق عليه اسم "الشهيد ذياب" وأسس داخل المسجد دار الشهيدة هنادي جرادات لتحفيظ القرآن الكريم، وبجانب المسجد أنشأ عيادة "مرج الزهور" التي تعكف على علاج المرضى بمقابل رمزي.
كما أنه كان يتابع بعض "التكايا" في مدينة الخليل، ويشرف على تقديم العون والمساعدة للعائلات "المستورة" إذ تعرض في احدى المرات للمسائلة من قبل أجهزة أمن السلطة عن مصادر الدعم التي كان يقدمها لهذه العائلات، والتي غالبا ما كانت من رجالات خير في المدينة.
وخلال اعتقالاته التي أمضى خلالها 17 سنة، عكف على تعليم الأسرى، وتقديم الدروس في العديد من المجالات الثقافية والتاريخية والدينية، ويعطي مجالا للنقاش في كل جلسات تعليمه، حتى بات بعض الأسرى يطلب منه المزيد.
خدم الراحل عزام الشويكي فكرة الإيمان والوعي والثورة في كل المراحل وعلى كافة المستويات، ولم يتأخر يوما عن تقديم ما لديه من معرفة واجتهاد، فأبدع أيضا في العمل الدعوي.
لم يتراجع لوهلة رغم سنوات سجنه التي أمضاها في الاعتقال الإداري، ولم يستسلم لظروف الوهن والاستكانة، سار على طريق ذات شوكة لآخر نفس قبل أن يترجل راحلا إثر "وعكة صحية" كان يعاني منها سابقا؛ بسبب ظروف الأسر التي عاشها.
رجل بهمة أمة
إن الكتابة لا توازن الأفعال، وإن لكل محطة مجلد من الدروس والعبر التي كان يقوم بها الراحل عزام الشويكي، وإن الإنصاف الآن ليس فقط بالكتابة عن مناقبه ومأثره، بل التحسس رجالات مثله، والاهتمام بها وتصديرها للمجتمع، على أن تخدم الفكر الذي حمله عزام، وهو فكر فلسطين لا غير، وإن الوفاء له هو بالسير قدما لما سار إليه، وقرع آذان الثوار المجاهدين المنسيين في غياهب القرى والمخيمات؛ ويتصدر كل واحد فيه موقعه.
نادر العفوري
منذ لحظة الإعلان عن وفاة المناضل الرفيق نادر العفوري، معتكفا على قراءة ما كتب عنه، حتى بت على قناعة تامة بأن كل ما كتب عنه لم يفيه حقه، هذاالأسطوري من ذاك الزمن الجميل، زمن "الاعتراف خيانة" والتي جسدهاالعفوري واقعا رغم ما عاناه من تعذيب وقسوة في أقبية التحقيق.
التهمت كل المنشورات وسرت باحثا عن معلومات أكثر عن هذا الرجل الاستثنائي، الذي غيبته العباءة المخملية والبدل التي لبسناها بديلا عن لباس الثورة.
وأدركت جيدا أننا في وضع غير صحي، وأن وطننا يعاني من فقدان للذاكرة الثورية، أو أنه أجبر على تغييب ممنهج لنماذج ثورية كان يحق لها أن تكون وتدرس في كافة المناهج المدرسية والتعليمية.
وإن من أشكال الحرب التي يشنها علينا الاحتلال، هو الدفع نحو تغييب الثوريين عن الساحة، إما في السجون أو المنفى، أو التهميش الذي يكون بسبب نحن؛ ولكن بإجبار من الاحتلال.
ولد العفوري في سنة 1948، بمدينة نابلس شمال الضفة المحتلة، والتحق في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد تأسيسها عام 1967، حيثاعتقل في 9 سبتمبر/ أيلول 1967، وهو يعد من أوائل الأسرى الفلسطينيين الذين اعتقلوا بعد "النسكة".
واجه العفوري خلال فترة اعتقاله التي استمرت 4 سنوات، بتهمة مقاومة الاحتلال والانتماء للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أقسى صنوف التعذيب، ليس أقلها قيام المحقق بانتزاع حلمات صدره بكماشة! ما جعله يمضي معظم فترة اعتقاله في مستشفيات الاحتلال.
ومن ثم أعاد جيش الاحتلال اعتقاله بداية السبعينات للمرة الثانية، وأمضى عامًا واحدًا، ثم وبعد الإفراج عنه، تم اعتقاله مجددًا لمدة ثلاثة أعوام.
وخلال الاعتقال الرابع والأخير، من عام 1978-1980، فكان بتهمة قتل الحاكم العسكري قرب الجامع الكبير في البلدة القديمة في نابلس، وبعد أن أنكر التهم الموجهة له منطلقًا من مبدأ "الاعتراف خيانة"، قام أحد المحققين بضربه بشدة على رأسه، فأصابه انهيار عصبي وتشنج، وحركات لا إراديّة لازمته طيلة حياته، فتم نقله بسيارة إسعاف إلى قسم الأمراض العقلية في مستشفى الرملة، بعد أن ساءت حالته الصحية، ووصل مستشفى الأمراض العقلية ووزنه لا يتجاوز 37 كيلوغرام، ومصابًا بكسر في الفقرة السابعة منعموده الفقري، فأمضى العفوري حياته متكئًا على عكازين.
التهميش: قتل الذاكرة الثورية
إن أكبر عدو للذاكرة هو التهميش، وهو القتل الممنهج للشخصية النموذجية، خصوصا إذا كانت هذه الشخصية أن تخلف فارق في الزمن، وأن تصوب الأمور بتجاها الصحيح، فعندما لم يجد الشخص الثوري احتواء كامل متكامل، وتصدير لأسطورته، يصبح مفقودا في طيات صفحات الغياب، وهذاما حدث ويحدث مع الكثير من الثوريين الذين كان من الواجب، إبراز تضحياتهم.
نادر العفوري أسطورة الصمود في التحقيق، ومثبتا لقاعدة "الاعتراف خيانة" وكذلك الرسالي الثوري المجاهد عزام الشويكي، الذين خانتهم ذاكرة الواقع، وخبأتهم سنين الزمن الجميل في طياته، ترجلوا دون أن نسمع منهم عن الثورة الخلاصية التحررية التي كانوا يؤمنوا بها، ولا عن تجاربهم في التضحية والوفاء والصمود.
جاء الموت، ليطرق أبواب الذاكرة، وينبش التاريخ عن قصص حقيقية لاأسطورية، يعرفنا الموت دائما على رجال التهمتهم سنوات النسيان، وذلكلعبرة أن سيروا على ما ساروا عليه، وأعطوا كل ذي حق حقه، ولا تجعلواالتهميش يقتل الثوريين والرساليين.

