إبراهيم أبو صفية
مع بزوغ صباح يوم الجمعة، الثاني عشر من شباط، هاجم مستوطن بسيارته مجموعة من الشبان الفلسطينيين كانو يتجولون في منطقة عبين البيضا بالأغوار الشمالية، مما أدى إلى استشهاد الشاب بلال بواطنة وإصابة 3 آخرين.
وقبل يومين من هذه الحادثة، أقدم مستوطن بدهس الشاب عزام عامر عند مفترق كفل حارس شمال غرب سلفيت، فارتقى شهيدا على الفور.
وفي بداية شهر شباط الجاري، استشهد الشاب خالد نوفل، متأثرا بإصابته برصاص حارس البؤرة الاستيطانية في جبل الريسان شمال غرب مدينة رام الله.
وضمن اعتداءات متلاحقة على الفلسطينيين، دهس مستوطن إسرائيلي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي سيدة فلسطينية وطفلين قرب المسجد الإبراهيمي في الخليل، مما أسفر عن إصابتهم بجروح مختلفة.
وتصاعدت هجمات المستوطنين ذوو العقيدة الصهيونية الدينية الذين يرون قتل الفلسطيني وطرده من أرضه شكلا أساسيا للفكر الذي يتبنوه، أنهم مؤمنين باختيار الله لهم " شعب الله المختار" وبالوعد الذي منحهم " أرض الميعاد" ، وذلك ما ورد في النص التوراتي بحد زعمهم " ولنسلك أُعْطِي جَمِيعَ هذِهِ الْبِلاَدِ"، ويعملون على تحقيقه وممارسته يوميا.
وقبل عام استشهد الشاب حمدي النعسان، وأصيب آخرون بجراح مختلفة في حدث أشبه بمجزرة في هذا الهجوم، ولولا "الفزعة" من أهالي قرية المغير والقرى المجاورة آنذاك، والتي وصلت مناطق الاقتحام متصديين للمستوطنين الذين حازوا على حماية من جيش الاحتلال الذي كان على مقربة منهم، لحدث ربما أكبر من ارتقاء شهيد وإصابة العشرات.
و في هذه الحادثة وغيرها من الحوادث التي حصلت سابقا، تدلل على اقتراب اليوم الذي ستتعرض القرى الفلسطينية للإبادة على أيدي المستوطنين، إذ يعبر الكاتب رازي النابلسي في رؤية" فلسطين السيناريو الأسود" عن هذا اليوم مستطلعا أنه سيُهاجم فيه مستوطنو "حلاميش" قرية "النبي صالح" بأسلحتهم الأوتوماتيكيّة، فيبطشون بالأهالي. وهنا ليست فقط النبي صالح بل كل القرى التي تقع على مقربة من المستوطنات، هي رهينة هذا اليوم الأسود.
مجزرة الحرم الإبراهيمي صورة عن يوم الإبادة
وقد فعلها المستوطنون سابقا ففي فجر 25/2/1994 دخل المتطرف باروخ غولدشتاين من مستوطنة " كريات أربع" المسجد الإبراهيمي وقت صلاة الفجر، وقد وقف خلف أحد أعمدة المسجد وانتظر حتى سجد المصلون وفتح نيران سلاحه الرشاش على المصلين وهم ساجدون، فيما قام مستوطنون آخرون بمساعدته في تعبئة الذخيرة التي احتوت رصاص دمدم المتفجر. واخترقت شظايا القنابل والرصاص رؤوس المصلين ورقابهم وظهورهم لتصيب أكثر من ثلاثمائة وخمسين منهم.
وأغلق جنود الاحتلال أبواب المسجد لمنع المصلين من الهرب، كما منعوا القادمين من خارج الحرم من الوصول إلى ساحته لإنقاذ الجرحى، وفي وقت لاحق استشهد آخرون برصاص جنود الاحتلال خارج المسجد وفي المقابل أثناء تشييع جثث شهداء المسجد، وقد راح ضحية المجزرة نحو 50 شهيدا قتل 29 منهم داخل المسجد.
إلا أن في المجازر المنتظرة سيعمل الاحتلال على فتح طريق للهروب، حيث أشار النابلسي أن في النظريات العسكرية يتوجّب دائماً على المُهاجم ترك طريق هروب للضحيّة، ... منوهاً أن طريق أريحا - الأردن فهي غالباً غير مفتوحة، ولكن ما زالت هناك 25 ألف شقة فارغة في رام الله وحدها، وغيرها في المُدن المركزيّة الفلسطينيّة.. والهرب إليها من قبل أبناء المُدن الصغيرة والقرى مستمر، ليتوسّع الاستعمار أكثر وأكثر حول المعازل الفلسطينيّة الخمسة: أريحا، بيت لحم، الخليل، جنين، ورام الله.
مجموعات المستوطنين في الضفة المحتلة
وتعتقد الصهيونية الدينية الاستيطانية أن جيش الاحتلال يحافظ على الوجود الفلسطيني لأنه لا يقوم على تهجيره، لذلك تسعى من خلال عمليات القتل لأن تحل محل الجيش والقضاء في السيطرة على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، كما أنها تسعى لتوسيع عمليات القتل والحرق لتحويل حياة الفلسطينيين إلى رعب وجحيم، تحديدًا معظم القرى الفلسطينية البعيدة، خاصة أن قاعدة هذه الجماعة أصبحت قوية وكبيرة. كما بين المحلل السياسي عادل شديد في مقاله "ما لا يعرفه كثيرون عن قتلة عائشة الرابي".
فـإن دولة المستوطنين في الضفة الغربية قائمة على مجموعات صهيونية غالبها ذات بعدا دينيا كجمعية "إلعاد" التي تأسست في العام 1986، وتنتهج الاستيلاء على عقارات الفلسطينيين من خلال التزوير وتحويل الملكية خاصة في القدس، وجمعية "عيرت كوهانيم" التي تأسست في العام 1978، ويتركز نشاطها شرقي القدس لتوطين مستوطنين في البلدة القديمة، وجمعية "هروعيه هعفري" التي تأسست في العام 2013، وتعمل على شرعنة البؤر الاستيطانية، وتبني أعضاء شبيبة التلال المتسربين من التعليم؛ إضافة إلى جمعيات نسوية، مثل "النساء ذوات القبعات الخضراء" التي تستهدف في اعتدائها الأراضي الزراعية في بيت لحم، خاصة أراضي بلدة الخضر، وعصابات "تدفيع الثمن" التي نشأت في (مستوطنة) يتسهار عام 2008، ويتركز نشاطها في شمال الضفة الغربية. و"أمناء جبل الهيكل" الذين ينظمون اقتحامات متتالية للمسجد الأقصى. وجمعية "غوش أيمنيم " التي بدأت مشروعها الاستيطاني الأيدلوجي بإقامة مستوطنات "كريات أربع" في الخليل، وجمعية "ألون موريه" في سبسطيا.
هيئة الجدار والاستيطان:- تصاعد جرائم المستوطنين
وكشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، بداية العام الجديد، أن العام السابق 2020 شهد ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة اعتداءات المستوطنين بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم، مقارنة بالعام الذي سبقه، حيث رصدت الهيئة خلال العام الماضي ما يزيد عن 930 اعتداء للمستوطنين.
وأشارت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في تقريرها السنوي، إلى أن اعتداءات المستوطنين أضحت أكثر عنفاً وتطرفاً من أي وقت مضى، لا سيما في ظل الرعاية الكاملة لهذه الاعتداءات من قبل سلطات الاحتلال، في تبادل واضح للأدوار بين عصابات المستوطنين وقوات الاحتلال.
وأكدت الهيئة أن ذلك يدلل على وجود سياسة ممنهجة لتضييق الخناق على الفلسطينيين، إذ يأتي تشكيل مليشيات وعصابات من المستوطنين، أمثال "شبيبة التلال" و "تدفيع الثمن"، دليلاً واضحاً على منهجية إجراءات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية.
وانقسمت اعتداءات المستوطنين إلى اعتداءات جسدية وعلى الممتلكات، ومن بين الاعتداءات الجسدية تسجيل 19 حالة دهس لمواطنين فلسطينيين خلال العام الماضي، بينهم نساء وأغلبهم أطفال، كما أصيب (197) مواطناً فلسطينيًا نتيجة اعتداء المستوطنين عليهم سواء بالضرب أو رشق الحجارة أو إطلاق النار.
ووصل عدد مستوطني الضفة الغربية لـ 824 ألف مستوطن، يعيشون في 198 مستوطنة، و220 بؤرة استيطانية، وهؤلاء ينتمون للصهيونية الدينية الاستيطانية التي تهدف لإحداث ثورة على نظام الحكم العلماني الإسرائيلي، وإقامة آخر يستند إلى حكم التوراة والشريعة اليهودية، ولو أنهم يؤمنون بأن "الخلاص سيأتي بيد السفهاء والكفّار من بني إسرائيل"، هذا ما بينه النابلسي بأن التحقيقات التي أجرتها أجهزة الأمن الصهيونية بعد جريمة حرق عائلة دوابشة على وجود منشورات وتعليمات تدلل على ذلك.
المستوطنين يستخدمون النص الديني لإبادة الفلسطيني
إن سيناريو الإبادة المنتظر غلفه الاحتلال ومستوطنيه بالرؤية الدينية التوراتية، التي هيمنت على عقل "دولة المستوطنين الدينية" إذ أنهم يعبئون أبنائهم دينيا بمقتطفات توراتية تأمر بالقتل، ومنها على سبيل المثال تقول التوراة "إن موسى أنّب جيش إسرائيل لأنه لم يقتل الأطفال الذكور، ثم أعطاه الأمر: اقتلوا إذن كل ذكر من بين الأطفال الصغار". ويؤكد الكاتب " الإسرائيلي" إسرائيل شاحاك "بأنه في سياق تاريخ الشعب اليهودي، كانت للإبادة الجماعية قيمة تصل إلى الأسطورة المقدسة، وقد تم احترام قدسيتها بولهٍ، كحقيقة". ويورد موقف التوراة في إبادة غير اليهود ويقول: "إن الله يفرض على أطفال إسرائيل ألاّ يدعوا أي شخص غير يهودي يعيش على أرض إسرائيل وإنما يجب إبادته".
كيف يستطيع الفلسطيني مواجهة سيناريو الإبادة
وقال منسق هيئة مقاومة الجدار، أبو رحمة، إن المستوطنين يسعون من خلال تنفيذ هجماتهم الاخيرة إعادة تشكيل الخارطة السياسية في الضفة، والسيطرة على الأراضي الفاصلة بين المحافظات لضمها للمستوطنات، مشيرا إلى أن حجم هذه الاعتداءات متزايدة حيث تضاعفت هذا العام أربعة أضعاف عن العام الماضي.
وبين أن الكنيست " أقر 12 قانون لدعم الاستيطان، وهنالك قرار ضم 65% من أراضي الضفة الغربية، وهذا ساعد على توسيع الاعتداءات وتنظيمها، حيث كان في السابق اعتداءات مجموعات بشكل غير منظم، ولكن حصل تطور وصل إلى تدريب وتقديم الدعم وتفريغ معاشات لهم من الجمعيات الاستيطانية التي تحرضهم على القيام بهذه الاعتداءات.
ولفت إلى أن المستوى السياسي " الإسرائيلي " يستخدم المستوطنيين والتغطية على اعتداءاتهم من أجل حسم معركته الانتخابية، فإن 8% أصوات الناخبين التي تخدم اليمين " الإسرائيلي " تقع في مستوطنات الضفة الغربية. مشيرا إلى أن الانتخابات السابقة غالبية رؤساء الأحزاب أعلنوا ترشحهم من المستوطنات، وأن معظمهم يسكن في المستوطنات.
وأوضح أنه من المتوقع ان ترتفع وتيرة اعتداءات المستوطنين خلال الفترة المقبلة، بدعم وحماية من قوات الاحتلال والحكومة اليمينية المتطرفة.
وشدد على ضرورة تنظيم لجان حراسة وتشكيل قوى وطنية من اجل التصدي للمستوطنين والدفاع عن المواطنين والقرى الفلسطينية.
يسعى المستوطنين والحكومة اليمينية الليكودية من خلفهم على تحقيق بعدا سياسيا قائما على سلب الفلسطيني سيادته على الأرض، واحراج السلطة الفلسطينية أمام شعبها وإخراجها بصورة الضعيف، وتحميلها المسؤولية عن أي حدث مقاوم، ويبررون اقتحام المستوطنين للقرى، وجيش الاحتلال للمدن لما تقوم به المقاومة من عمليات نوعية. فالرسالة التي يريد أن توصلها الحكومة " الإسرائيلية " أن أي عملية تستهدف المستوطنين سيقابلها ردا من خلال المستوطنين وتوسيع الاستيطان من أجل حماية المستوطنين في كتل استيطانية كبيرة.

