Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

خمسة لي وخمسة للوطن.. هكذا يفكر الفلسطيني

شهيد-فلسطيني-674x350-1.jpg
قناة فلسطين اليوم

كتبت/ إخلاص صوالحة

إن الشعور الذي ينتابني حين الحديث عن شهيد هو ذاته عندما أركع في محراب الصلاة، ورع وخشوع، وخوف من الزلل بحرف، كيف لا وكلماتي تروي حكاية إنسان أعلا الله منزلته  وجعله شهيدا، كيف لا وقد وضع روحه على كفتيه وألقى بها في مهاوي الردى، كيف لا ونحن نكتب ونقرأ قصص بطولات عظام، ويخطر على بالي السؤال الذي طرحه باسل الأعرج على نفسه في كل مرة قرأ بها وصية شهيد؛ هل هناك أبلغ من فعل الشهيد؟

هو الحي في شريعة الأنبياء...وبين الآنام يسمى شهيد . .

قبل أن يبلغ تسعة عشر عاما كان إلى جوار ربه، فعلى الطريق المؤدية لكفر نعمة-رام الله  وقع حادث سير وكان في السيارة الشهيد يوسف عنقاوي والشهيد أمير دراج وهيثم علقم، حيث كانوا متوجهين إلى عملهم برام الله، كان المطر غزيرا، ففاجأهم منعطف قوي، واصطدمت سيارتهم بجيب عسكري، بعض الروايات تقول أنه متعمد وأنها عملية استشهادية، والبعض الآخر يقول أنه مجرد حادث بسبب سوء الظروف الجوية، ولكن الحقيقة الثابتة أن هناك "أم" فقدت فلذة كبدها ، ولا يزال الاحتلال يحتجز جثمانه حتى هذه اللحظة، أكثر من عشرين رصاصة أطلق الاحتلال على سيارة الشبان الثلاثة؛ ليستشهد الأحياء يوسف وأمير، ويصاب هيثم بجروح خطيرة، وفي المقابل وحسب زعم الاحتلال فقد أصيب جندي وضابط بإصابات خطيرة.

ولد الشهيد يوسف عنقاوي في قرية بيت سيرا، ولم يكمل تعليمه، حال الكثيرين من أبناء جلدته، بسبب الظروف المعيشية الصعبة لأهله، فقد بدأ بالعمل صغيرا ليعيل أسرته، ويعين والده، عمل أولا في مخبز القرية، ثم تعلم صنع الحلويات، وعمل في بلدة بيت عور التحتا المجاورة لقريته، كان يوسف بسيط الحال، حسن الخلق، ملتزم بصلاته، ورع تلقاه غالبا في المسجد، لين الجانب ذو عشرة طيبة، ولعل هذه الصفات جعلت من فراقه أمرا في غاية الصعوبة على ذويه، فهم فقدوه مرتين؛ مرة باستشهاده ومرة بحجز جثمانه.

وتروي إسراء عنقاوي شقيقة الشهيد يوسف بعضا من تفاصيل علاقتهما، وحشرجة تخنق صوتها الرقيق، فبالرغم من كونه ملتزما دينيا، لم يفرض في حياته أي أمر عليها، بل يأتيها برفق ونصح وإرشاد، وكان بطبيعته يقف في صف أخواته البنات ضد والديه، فهو كسيف سليل في أياديهن، وبالرغم من شخصيته الصلبة، كان حنونا معهن، وتذكر إسراء مواقف المزاح والمرح التي لن تتكرر مرة أخرى.

كنا كأصدقاء، متفقون مع بعض، ودائما يناقشني وأناقشه، هكذا بدأ والده بالحديث عنه، لقد رأيته آخر مرة قبل استشهاده بيومين، لأن عملي في الداخل المحتل، لكنه اتصل ليلة استشهاده.

وعند سؤاله عن شعوره حيال ما فعل يوسف، أي هل شعر أنه يودعهم، أجاب أنه لم يتصل فيه يوسف مسبقا أثناء عمله، إلا تلك الليلة، فعند بلوغه الخبر بالشهادة لم يستغرب فقلب الأب يعلم مسبقا بذلك.

والسؤال ما هو هدف الاحتلال من حجز جثامين الشهداء؛ إذ يوجد أكثر من ثلاثة آلاف جثمان محتجز لدى الاحتلال، ربما هو عقاب نفسي للأهل، ربما تخويف للآخرين، ولكن أكثر ما يؤذيك حقا هي تلك الروايات التي تتحدث عن مقابر الأرقام، أو سرقة الأعضاء من الجثمان، أو إجراء التجارب عليه، ونحن  في شريعتنا إكرام الميت دفنه، فحتى هذه حرمنا منها.

والدة يوسف كفاية عنقاوي لن تمل من المطالبة بحقها بأن تزور قبر ولدها، نصبت خيمة للإعتصام في الثالث من كل شهر منذ استشهاده، ولكن بسبب فايروس كورونا توقفت أنشطة الخيمة، كما توجهت للإعلام، وساعدتها المؤسسات المسؤولة عن استرداد جثامين الشهداء بذلك، وما زالت تكافح من أجل نيل مطلبها الإنساني الذي قد يستغربه أي انسان آخر، قبرا!

شهيد ورا  شهيد والموكب عم بزيد هكذا هي العائلة الفلسطينية تجدها قدمت إما شهيد أو أسير،أو جريح، وقصص كثيرة، وحكايات طويلة لا تحصى منذ احتلال فلسطين، فكم شهيد ارتقى للمطالبة بحقه على مذبح الحرية، وترجع بي ذاكرتي إلى حواري مع "علياء" عندما سألتها عن عدد أطفالها الكبير؟ قالت: خمسة لي، وخمسة للوطن، فهكذا يفكر الفلسطيني ما لي وما للوطن.