محمد عبد الحكم دياب
ليس شيئا جديدا أن يعبر المصريون عن موقفهم الطبيعي والراسخ بالصورة التي يقبلونها ويقدرون عليها، وجذور ذلك ضاربة ومغروسة في الوجدان المصري والعربي منذ إدراك جمال عبد الناصر، الضابط الشاب معنى القتال في فلسطين في كتابه فلسفة الثورة «ولما بدأت أزمة فلسطين كنتُ مقتنعاً في أعماقي بأنّ القتال في فلسطين ليس قتالاً في أرض غريبة. وهو ليس انسياقاً وراء عاطفة، وإنّما هو واجبٌ يحتّمه الدفاع عن النفس» وبدا ذلك الذي عبر عنه الضابط الشاب؛ مترجما لواقع ما زال راسخا في وجدان الأجيال المتتالية، رغم الفوارق الزمنية والتحولات الكبرى والصغرى، التي مر بها العالم، وتلك التي مرت بها «القارة العربية». ذلك أتى معبرا ومؤثرا على الواقع في آن، وعالى الوعي الكامن بخطر التطبيع على مصير الجيل الحالي وعلى مصائر الأجيال القادمة. وينزعج المطبعون والصهاينة العرب والمسلمون، ومنهم المصريون، من مؤشرات بادية لعودة الذاكرة التاريخية التي واجهت قدرا لا يستهان به من الطمس والتشويه.
وفي أيام وصل فيها رفض المصريين للتطبيع ذروته، ووجد طريقه إلى صفحات ومنصات «التواصل الألكتروني» وتطبيقاته، ففرض نفسه على المشهد الحالي، وبدا قفزة على طريق التصحيح الذاتي، ووجود رغبة جادة في استعادة دور غائب، واستعداد لبذل جهود ومضاعفة القدرة على الصمود والمقاومة والخروج من عنق الزجاجة، والتمكن من إطفاء حرائق التطبيع المشتعلة، ولا تجد من يطفئها، والتخوف من آثار «الشيطنة» الموجهة صوب ما هو وطني وعربي وإنساني، وكانت كلها أسلحة فاعلة في مواجهة؛ كالتي نواجهها في ظروفنا الراهنة.
وفي محاولة لفهم ما اقترفه الفنان «نمبر ون» علينا التعرف على ما جعله يطمئن، ويستبعد رد الفعل الشعبي الغاضب ضده، عقب اللقاء والحفاوة بالفنانين الصهاينة، وهو الذي استقر في ذهنه أنه لا ينازع في نجوميته، ولن يكتفي بالتمثيل، وعليه الاتجاه إلى الغناء وهو مجال ليس مجاله، ومحاولاته من قبيل مجرد «مشروع مطرب» تحت الاختبار، وهو أشبه بالطامع في طلب المزيد؛ إلى أن يمنى بالخسارة، ولو نظر حوله، لوجد إن جل الأشياء في تراجع واهتراء، ومرآة ذلك الفنون، بأنواعها، فأفلام «نمبر ون» تصنف في خانة «الأكشن البلدي» والبلطجة والعنف السائد في المجتمع، وأضحى ظاهرة تمثل خطرا حقيقيا على الصحة النفسية والاجتماعية للأفراد والمجتمع، وتهدد التماسك الوطني، وتركيز «نمبر ون» على مجرد جمع المال إنتهى به إلى «التكويش» رغم ما يحوز من فوائض ثروة؛ مجمدة في إقتناء وملكية سيارات فارهة وغالية الثمن، وما المانع من أن يصير مغنيا في غياب الطرب الأصيل واختفاء من يتذوقه؛ كما كان عليه الوضع في عصور الطرب الذهبية، و«نمبر ون» لم يقنع بما جنى من أموال، ولا بما يقتني من مركبات وسيارات غالية الثمن؛ يستعرضها باستفزاز، ويبدو أن هناك «من لعب في دماغه»؛ بلهجة مصر الدارجة، وأرشده إلى مصدر مضمون للمال، وزج به في أتون التطبيع، التي لم يسلم منها أحد، وغررت به قوافل الهرولة الخليجية باتجاه الدولة الصهيونية، ودخل التطبيع من باب مشاهير الفن اليهود، وما المانع في أن يجرب حظه، وهو الذي اجتاز حاجز النجومية السينمائية الصعب، فلا بأس من اجتياز حاجز الغناء؛ سيطر عليه حب المال حتى لو كان ملطخا بدماء الشهداء الفلسطينيين وشهداء الإرهاب الصهيوني!!.
وارتفعت وتيرة الاستهجان والغضب الصهيوني من الموقف الشعبي المصري الصارم، ونشرت الصفحة الرسمية على الفيسبوك لـ«إسرائيل تتحدث العربية»؛ نشرت مقطعا مرئيا لدبلوماسي صهيوني؛ سخر فيه واستهجن المواقف المصرية، وردود الأفعال الغاضبة على ما اقترف «نمبر ون» من جرم ومشاركته ثلاثة فنانين صهاينة في حفل بدبي «احتفاءً» بمشاهير الغناء الصهاينة، وهم يحيطون بـ«نمبر ون» وقوبل وجوده بينهم باستهجان وسخرية وهجوم شديد من قطاعات مصرية واسعة؛ دمغته بدعم التطبيع مع آخر كيان استيطاني باق في العالم، يعتمد الفصل العنصري (الأبرتهايد) وسينتهي كما انتهى غيره!!.
يقول مدير إدارة مصر بوزارة الخارجية الصهيونية ليئور بن دور في المقطع المرئي المشار إليه: «لم أقل لكم إننا محبطون، لكن ما حدث شيء غريب ومضحك». والمثير للسخرية ترديد ليئور بن دور ما يلوكه المطبعون والمصهينون: «إلى متى يظل تمسك الرافضين للعلاقات مع (إسرائيل) بشعارات لا جدوى لها» وَوَصَفَها بـ«إيديولوجيات الخمسينيات والستينيات» من القرن الماضي، ويقول بذلك للرافضين لا يبقى لكم إلا المقاومة؛ إلى أن تتغير الموازين، الذي هو من سنن الحياة.
وبالمناسبة فصفة «الصهينة» ليست قاصرة على معتنقي اليهودية، ولها أتباع كُثِر بين أتباع الكنائس الغربية، وما ينطبق على اليهودية السياسية؛ أي الصهيونية، هو ما ينطبق على المسيحية السياسية؛ أي المسيحية الصهيونية، وهناك جماعات ومذاهب وطوائف إسلامية؛ خاصة تلك التي تنحو منحى انعزاليا ومذهبيا وطائفيا، يحملها وجها سياسيا رجعيا، ويُدخلها في مرجل التطبيع، وهي مرحلة عبور إلى الصهينة؛ خاصة في مرحلة إفساح المسرح الصهيو غربي المجال لـ«دين جديد» هو «الإبراهيمية» في محاولة لجمع القابلين من اليهود والمسيحيين والمسلمين في بوتقة واحدة هي «الدين الإبراهيمي».
وأعد دونالد ترامب نفسه كـ«رسول»؛ يبشر بدين جديد؛ دخله من الباب الصهيوني، كأول من يبشر به، آملا في استئناف المد الإمبراطوري العنصري الغربي، تحت حراب الإبراهيمية؛ وسعيها في الهيمنة على العالم، وإعادة إنتاج مآسي التطهير العرقي للهنود الحمر، والمرشح لها سكان «القارة العربية» التي من المتوقع أن تصبح ساحة التطهير العرقي الجديد، ولن يكون الضحايا من الهنود الحمر؛ كما كان حال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين.
وهناك مؤشرات تنبئ بأن العرب، وبعض جماعات المسلمين مستهدفون من الحملات الدينية المستجدة، المتوقع شنها من الجيوش «الإبراهيمية»؛ هذه من أهم أسباب إهمال ترامب لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وفي ذهنه إن البديل هو «الجيوش الإبراهيمية» وهذا أحد أهم أسباب تشبثه بالبقاء في البيت الأبيض، ومن المتوقع الاستفادة من تجارب تنظيم (القاعدة) وتجربة الدولة الإسلامية (داعش) يضاف إليها تعاليم وتقاليد الاستيطان اليهودية، والتمييز العنصري في التراث والفكر الصهيوني، ويُحَوَّر إلى «الإبراهيمية» وتسليم زمامها لليهود الصهاينة؛ باعتبارهم رسل «الإبراهيمية» المتمسحين في ثوب الخليل إبراهيم؛ أبو الأنبياء عليه السلام، ومبدءهم الأخطر من «فرق تسد» الذي اعتمدته الظاهرة الاستعمارية في احتلال واستيطان؛ آسيا وأفريقيا والأمريكتين الشمالية والجنوبية.
ونعيش مرحلة يتولى فيها نوع من الإسلام السياسي؛ حمل على عاتقه مهام التقسيم والتفتيت والتدمير في البلاد التي يدخلها، وما زال يمارس دوره ووظيفته في أكثر من بلد عربي في العراق وسوريا وليبيا والصومال واليمن، ومناطق أخرى، بجانب حكومات تبلي بلاء «حسنا» في خدمة التطبيع والصهينة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه «الإسلام النفطي».
إنها معركة طويلة وضارية؛ فرضت نفسها، والشعوب الحية لا تسلم بالأمر الواقع، وتعمل على تغييره ودفع ضريبة التحرر وتصحيح مسار التاريخ الذي خرج من مداره، وأرى في الأفق ما نتج عن الغضبة أو «الصحوة» من حيوية عادت إلى المواطن المصري بسبب ما قام به الممثل «نمبر ون» وتشق طريقها في أنحاء مصر «المحروسة» ودعوتها تسري بين فئات وطوائف جماعات نقابية وأحزاب واتحادات مهنية وجماعات وروابط اجتماعية وثقافية، واستجاب لها المواطنون من مختلف الطبقات والأعمار والمناطق والمدن والبنادر والقرى، وهم من انتفضوا ووقفوا ضد التطبيع والصهينة.
ولم تُتْرَك هذه الفرصة تمر ولم يُكْتَف بالغضب والاحتجاج إنما تحولت لمبادرة لإحياء مشروع مؤجل لتأسيس «حركة مقاومة الصهيونية» (ح. م. ص) وحسب ما علمت من مخططي مشروع الحركة، وجاءت هرولة الإمارات والبحرين والسودان حافزا على إحياء هذا المشروع، ومن المتوقع أن يمثل تحولا جديدا؛ كما مثلت حركة استقلال الجامعات المعروفة بـ«حركة 9 مارس» والحركة المصرية للتغيير (كفاية) وغيرها من الحركات الثورية بالنسبة لثورة يناير 2011، وحتى الآن فالأسماء التي اطلعت عليها مبشرة للغاية، أما التطبيع الإماراتي والبحريني والسوداني فله لعنة، لم ينج منها أحد حتى الآن، وبقيت المملكة العربية السعودية على قوائم الانتظار.

