بقلم الخبير العسكري والأمني أ .عبد الله أمين
كثيرة هي الحركات الثورية أو المقاومة أو المعارضة التي خسرت معاركها مقابل عدوها ، ففرض إرادته عليها واستسلمت له ؛ طائعة أو مكرهة.
ولمعرفة أسباب هذه الهزائم والانصياع للعدو الذي اغتصب الأرض والعرض ؛ لا بد من البحث في الخلل الذي قد يكون وقع في مكونات وضروريات قيام أي حركة مقاومة أو ثورة أو معارضة ضد ظالم مستبد أو محتل مستعد ، والتي جئنا على ذكرها في أكثر من مقام ضمن سلاسل المقالات التي كتبناها والتي ــــــ مكونات قيام مقاومة أو ثورة ــــــ نعيد ذكرها بشكل سريع دون التفصيل وهي :
1. القضية العادلة .
2. القيادة الراشدة .
3. الحليف الصادق .
4. الشعب الواعي ( الحاضنة الشعبية ) .
ولما كانت المكونات الثلاثة الأولى تعمل ضمن البيئة والمساحة التي يؤمنها لها الشعب ( الحاضنة الشعبية ) ، ولما كان أصل الهدف الذي تعمل له المقاومة أو الذي من أجله قامت الثورة هو تحرير الأرض والانسان من جور المحتل والطغيان ، وحيث أن المقاومين أو الثائرين يقومون بفعل مقاوم كجزء من كل هو الشعب ، فهم الوكيل الذي يمثل مصالح الأصيل ( الشعب ) ويدافع عنه ، كان المكون الأخير أو الركن الرابع هو أهم ركن من أركان نجاح الثورة وانتصار المقاومة ، فلو تخلى الاصيل (الشعب ) عن خدمات الوكيل ( الثائر أو المقاوم ) ؛ فلن ينفع عدل القضية أو رشد القيادة أو صدق الحليف في دحر المحتل أو كبح ظلم الظالم ، وسيغدوا المقاومون أو الثائرون كسمكة تسبح في ماء ملوث قليل الأكسجين ، لا تلبث أن تفارق الحياة . من هنا جاءت فكرة كتابة هذا المقال ، والذي سيبحث في جدلية العلاقة بين الحاضنة الشعبية وحركات المقاومة ، حيث سنتكلم في الدور المطلوب من الحاضنة الشعبية تجاه المقاومة أو الثورة ، والمتطلبات التي يجب أن توفرها المقاومة أو الثورة لتلك الحاضنة لتؤدي ما هو مطلوب منها من دور . وهنا سنطرح السؤال المحوري في هذا المقام وهو : هل دور الحاضنة مقدم على تأمين المتطلبات ؟ أم العكس . آملين أن يحرّض هذه المقال أصحاب الشأن لبسط البحث والنقاش في هذا الأمر الذي يعد نقطة ارتكاز مركز ثقل المقاومة المتمثل في القضية والقيادة والحليف .
وعليه هل يكفي أن تقول حركة مقاومة أو ثورية ما أنها تتبنى الأيدلوجية الإسلامية مثلاً أو أنها تمثل مصالح شعبها وتدافع عنه أو أن قادتها جلهم من المضحين الذين قدموا زهرة شبابهم في السجون أو المطاردة أو أن أهلهم وذويهم استشهدوا في هذا الطريق ، هل يكفي هذا ليحوز هؤلاء رضى الناس والشعب ( الحاضنة الشعبية ) أو أن يستجلبوا دعمهم المادي والبشري ؟ أم أن أمور أخرى واحتياجات متنوعة ــــ مادية ونفسية وعاطفية و ... ــــــ مطلوبة من تلك المقاومة أو الثورة يجب أن تؤمنها وتعمل على توفيرها ، لتحوز الرضى وتستجلب الدعم ؟ وأيهما مقدم على الآخر ، الدور الملعوب أم الاحتياج المطلوب ؟
إن هذه المقالة قائمة على فرضية أن متطلبات واحتياجات الحاضنة الشعبية مقدمة على الدور المطلوب منها أن تقوم به تجاه حركة المقاومة أو المعارضة أو الثورة ، وأنه لا يمكن أن تطلب قيادة المقاومة أو الثورة من الشعب الذي قامت للدفاع عنه وفوضها الحديث باسمه أن يؤمن لها ــ للثورة أو المقاومة ــ أسباب الدعم المادي والبشري والنفسي ما لم تبادر هي ــ المقاومة ـ أولاً بتأمين جملة من المتطلبات والاحتياجات المادية وغير المادية التي تساعد في تعزيز صمود وثبات وتصليب هذه الحاضنة ، ومن ثم تطلب منها ــ من الحاضنة الشعبية ــ أن تقوم بدورها تجاه المقاومة أو الثورة . ومن هنا ، سنبدأ بذكر المتطلبات التي يجب أن تؤمنها الثورة للحاضنة ، ونختم بالدور المتصور للحاضنة تجاه الثورة أو المقاومة ، ولكن لا بد للإشارة أولاً من أن الحركات السياسية والأحزاب حتى تكون فاعلة في مجتمعها وتحقق الأهداف التي من أجلها أنشئت ؛ لا بد لها من أن تتصف بمجموعة من الصفات والمزايا ؛ منها على سبيل المثال لا الحصر :
1. منظومة قيم ومبادئ داخلية متناسقة مع البيئة والأعراف السائدة في جغرافيات هذه الأحزاب .
2. خطاب وسلوك ؛ فردي وجماعي متوافق ومتساوق مع منظومة القيم تلك ولا يخالفها أو يصادمها.
3. شبكة علاقات وصداقات داخلية منفتحة على جميع شرائح المجتمع ، وعلاقات مع محيطها الإقليمي والدولي ما أمكن.
4. بناء هياكل تنظيمية وإدارية قادرة على إدارة شبكة العلاقات تلك بكفاءة وفاعلية عالية .
5. تفكير حر وعقل جمعي تشاركي يمكن معهما تطوير سياسات وضوابط عمل تتوافق مع البيئة الداخلية والخارجية .
بعد هذه المقدمة والاستهلال ؛ نبدأ بتعريف الحاضنة الشعبية أولاً حتى لا نختلف على المصطلح فتتعدد بنا السبل .
فالحاضنة الشعبية : هي ذاك الإطار الاجتماعي الذي يرى بناء على قناعته وإيمانه في المشروع الذي تحمله المقاومة منقذاً له من ظلم ظالم أو احتلال محتل ، رائيةً فيها كمجموع وفي منتسبيها كآحاد ؛ قادة وأفراد ، ذلك النموذج الذي يصدّق

