Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

د. رمضان شلَّح.. ومضيت يا أبا عبدالله.. د. أحمد يوسف

وكالات - فلسطين المحتلة

د. أحمد يوسف 1/2

خلال متابعتي لمشاهد التعزية التي اكتظت بها مواقع التواصل الاجتماعي، تحركت في نفسي صفحات من الذكريات التي جمعتني بالأخ والصديق العزيز د. رمضان شلَّح (أبو عبد الله)، حيث كان لقاء التلاقي الأول بيننا خلال المؤتمر الذي عقدته لجنة فلسطين الإسلامية (PIC) في مدينة شيكاغو بولاية الينوي الأمريكية تحت اسم (الانتفاضة طريق الانتصار) عام 1990م.

في ذلك المؤتمر، الذي حضره المئات من الشخصيات الفلسطينية والإسلامية، كان لي فرصة لتداول الحديث مع د. رمضان حول همومنا المشتركة، والتي مثلت محور اهتمامنا كأصحاب قضية حظيت بالكثير من الدعم والتأييد على مستوى شعوب المنطقة وفضاءات الأمة الإسلامية، ولكننا كفلسطينيين – للأسف - ما زلنا نعاني بشكل عام من فقدان البوصلة أو الاختلاف على اتجاهات مسارها.. كان اللقاء بمثابة تعارف وفرصة لمتابعة الحوار في لقاءات قادمة.

ومن الجدير ذكره، أن المعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT) بمدينة «هيرندن» الواقعة في محيط العاصمة واشنطن، كان يعقد مؤتمراً سنوياً يتم فيه دعوة شخصيات فكرية ونشطاء في مجال العمل الإسلامي على الساحة الأمريكية، وكنا نشارك بالحضور في مثل هذه الأنشطة الفكرية والدعوية، والتي اعتبرت كمحطات للقاء والتعارف بين النخب الإسلامية في إطاراتها الحركية، التي لا تبتعد في جذورها الفكرية عن أطروحات الإمام حسن البنَّا والشيخ أبو الأعلى المودودي.

كان معظم الإخوة المشرفين على مركز الإسلام والعالم يشاركون أيضاً في هذا المؤتمر، ويطرحون أفكارهم ويطورون علاقات وسبل التواصل فيما يخص القضية الفلسطينية مع هذه النخب الإسلامية المتميزة، وكان د. رمضان (أبو عبدالله) لا يتأخر عن المشاركة والحضور، وهذا ما عزز من تلاقح الأفكار وتقارب الرؤى وتمتين العلاقة بيننا شيئاً فشيئاً.

نعم؛ كانت فترة الثمانينيات تشهد تدافعاً داخل الصف الإسلامي حول فكرة «المركزية»؛ أي أن فلسطين هي قضية الأمة العربية والإسلامية الأولى، فيما كان البعض يعترض على المصطلح؛ باعتبار أن قضايا المسلمين كلها مركزية، رغم خصوصية فلسطين ومنزلتها الدينية والحضارية في التاريخ الإسلامي.. كنا – آنذاك - مع تسويق مقولة «فلسطنة الضمير الإسلامي» كمصطلح أقرب للتوافق الإسلامي، وذلك في سياق الحشد والتعبئة لدعم القضية الفلسطينية ونصرتها.. كان بيننا -كتيار إسلامي فلسطيني في أمريكا- بعض السلوكيات الخلافية التي أظهرتها المؤتمرات والنشرات التي كانت تصدر عن كل طرف من حين لآخر، فالاتحاد الإسلامي لفلسطين واللجنة الإسلامية لفلسطين، كانا يتحركان بمرجعيات فكرية تعود جذورها لما كان قائماً بين الإخوان المسلمين التنظيم الأم الذي يمثله الشيخ أحمد ياسين، والتنظيم - حديث الظهور- الذي يقوده د. فتحي الشقاقي.

ولكننا تغلبنا على ذلك فيما بعد، حيث جمعتنا مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارة) مقاربات إيجابية، تكللت عام 1994 بذلك اللقاء المهم في واشنطن، والذي جمع عدداً من قيادات التيار الإسلامي الفلسطيني من جناحي الشيخ أحمد ياسين والدكتور فتحي الشقاقي (رحمهما الله)، بهدف تخطي مناكفات بضع سنوات مضت، والعمل لاستعادة وحدة العاملين في الساحة الإسلامية من تنظيمي حركة حماس والجهاد الإسلامي، حيث كان لكل من د. رمضان شلَّح وكذلك د. موسى أبو مرزوق دور إيجابي في وضع اللبنات الأولى لما تمَّ بناؤه فيما بعد في دمشق عام 2007، إذ تمكن الطرفان من تدشين خط تواصل ورأس جسر كان هو الأساس لما تمَّ لاحقاً من تعاون وتنسيق سياسي وميداني على قاعدة «وحدة الموقف والمصير»، والتي تجسدت في أحد أشكالها بـ»الغرفة العسكرية المشتركة»، وتبادل الرأي والمشورة في الكثير من المواقف السياسية والاستراتيجية المتعلقة بالسلطة الفلسطينية أو كيفية الرد على الاحتلال.

إلتزام المذهب السُنِّي وسياسة الحياد الإيجابي!!

برغم الانطباع السائد حول علاقة حركة الجهاد الإسلامي وارتباطها الوطيد بإيران، إلا أن د. رمضان حاول بذكاء الحفاظ على خط التوازن مع الجميع، حيث إن فلسطين هي قضية الأمة المركزية وتتطلب جهد الأمة الإسلامية، وعدم الدخول على خط الصراعات القائمة في المنطقة أو التورط بأي شكل من أشكال التحالفات والنزاعات المشتعلة فيها. لذلك، حافظ د. رمضان (رحمه الله) على أكثر من شعرة معاوية مع الكل العربي.. ففي ملف الأزمة السورية لم تختل توازنات البوصلة لديه، حيث التزم الصمت؛ لا مع ولا ضد، ولكن كان التحذير من مغبة ما يحدث، وأثره الكارثي على القضية الفلسطينية ومستقبل الأمة الإسلامية.. ولذلك، لم يخسر بموقفه هذا علاقته بالنظام أو الشارع السوري الذي تحرك ضده.

ومن الأشياء التي تُحسب له كذلك هي عدم السماح لأحد بالتشيع داخل الحركة، مؤكداً أن إيران دولة إسلامية نُكنُّ لها كل التقدير والاحترام، ونثمّن كل ما يقدمونه لشعبنا وقضيتنا من دعم مالي وعسكري ودبلوماسي، لكننا نحن في النهاية ضمن الفضاء السُنِّي، وما يجمعنا مع إيران هو الموقف من الاحتلال؛ باعتباره غدة سرطانية يتطلب التعامل معها بما يحفظ مكانة فلسطين ومقدساتها كأحد أهم موجودات الأمة الإسلامية وتاريخها الحضاري والإنساني. ومن هنا، كان تعامله مع حركة «الصابرين» ومؤسسها هشام سالم، والتي انتهت بوقف عملها في قطاع غزة وفصل قياداتها أو توقيف المتعاطفين معها في حركة الجهاد الإسلامي.