دفعت الزيادة الكبيرة في التلوث الكيميائي (زيادة الأملاح والنترات وغيرها من العناصر الكيميائية) والتي تجاوزت 97% في آبار قطاع غزة الارتوازية، رئيس قسم مراقبة المياه في دائرة صحة البيئة بوزارة الصحة في قطاع غزة الدكتورخالد الطيبي لإصدار تعليمات وتوجيهات لفرق التفتيش والمتابعة، بتكثيف رقابتها على مصادر مياه الشرب في قطاع غزة المحاصر من قبل الاحتلال الإسرائيلي والنظام المصري.
وفي تحقيق لصحيفة "العربي الجديد"، قال الدكتور الطيبي أنه فوجئ بارتفاع معدلات التلوث الميكروبيولوجي (الميكروبات والجراثيم والطفيليات الضارة) إلى نسبة 25% في العينات التي سحبت من آبار المياه الجوفية منذ بداية العام وحتى يونيو/حزيران الماضي، مقارنة بنسبة كانت تتراوح بين 2 % وتصل حتى 10%، خلال العامين الماضيين.
وطالب الطيبي بجمع عينات دورية للفحص، سواء من الآبار الجوفية، أو محطات تحلية مياه، والتأكد من وضع مادة الكلور لتعقيمها، قبل الوصول للمستهلكين، كاشفاً أن نتائج الفحوصات أعطت دلالات بوجود فضلات ومخلفات آدمية تسللت إلى الخزانات الجوفية في القطاع، بعد تسرب مياه الصرف الصحي التي تم صرفها سابقا في البحر أو من خلال محطات التجميع، بزيادة 12% عن عام 2017.
وفيما يتعلق بإغلاق محطات المياه في غزة، فقد أغلقت وزارة الصحة ثلث محطات تحلية المياه في قطاع غزة والبالغ عددها 116 محطة، بعد ميكروب Fecal coliforn، وهو نوع من البكتيريا القولونية البرازية، مصدرها مياه الصرف الصحي، وقد يصيب الأشخاص في حال شربوا المياه بمشاكل في الجهاز الهضمي، بحسب إفادة الدكتور الطيبي الذي يخشى ظهور ميكروبي "الكوليرا والسالمونيلا" الخطرين، واللذين قد يتحولان إلى وباء.
وكما جاء في التحقيق فإن الاحتلال الإسرائيلي منع إدخال مواد أساسية للتعقيم ومعالجة المياه منذ 11 عاما، من دون إبداء أسباب وفق ما أكده المهندس أشرف غنيم، مدير دائرة السلامة والصحة المهنية في مصلحة مياه بلديات الساحل بقطاع غزة، والذي أكد أن مادة "الأوزون" وجهاز التعقيم باستخدام "الأشعة فوق البنفسجية" منعا من دخول القطاع، رغم أنهما من أهم وأنجع وسائل التعقيم، لذلك تلجأ البلديات ومصلحة المياه لاستخدام مادة "الكلور السائل" فقط كبديل اضطراري للتعقيم، رغم أنها غير كافية على حد قوله.
وأوضح المفتش في قسم متابعة المياه، والمختص في قضايا مياه الشرب سعيد العكلوك، أن الكلور يخلط بنسب متعارف عليها بحد أدنى 0.3 من الغرام لكل لتر ماء شرب عند خروجها من البئر مباشرة، وقبل الضخ في الشبكات، لكن احتمال تلوث شبكة الأنابيب الناقلة يفقد مادة التعقيم الوحيدة دورها.
وحذر المهندس العكلوك بشدة من قيام بعض الأشخاص بتحلية مياه الآبار الخاصة بواسطة فلاتر منزلية "Water Desalination" من دون تعقيم، قائلا "بالإضافة إلى أن المياه ملوثة من البئر، فلاتر التحلية، هي وسط ممتاز لنمو وتكاثر مختلف أنواع البكتيريا الضارة".
وأشار التحقيق إلى أن دائرة الصحة والبيئة تنظم جولات دورية ومفاجئة تشمل آبار المياه ومحطات التحلية، ليتم أخذ عينات وفحص التلوث الكيميائي والبيولوجي، بحسب هشام جبر مدير الدائرة في محافظة رفح والذي لفت إلى أنه في حال تم الكشف عن مشكلة تلوث يتم وقف عمل البئر أو إغلاق المحطة فوراً، وهو ما حدث في مدينة رفح، التي أغلقت بلديتها ثلاثة آبار للمياه، بعد ارتفاع نسب التلوث بشكل كبير كما أوقفت العمل في بعض محطات التحلية حتى إجراء صيانة عاجلة لبعض مرافقها، وهو ما أكده المهندس أسامة أبو نقيرة، مدير دائرة الصحة والبيئة في البلدية، والذي أشار إلى أن دور البلدية رقابي على مصادر المياه، سواء الآبار الجوفية أو محطات التحلية، عبر نتائج فحص العينات المستمرة من كل تلك المصادر، قائلا "البلدية تتابع الأمر، لكن إذا شعرت بأن مستويات التلوث ارتفعت ووصلت إلى مستويات خطرة يصعب السيطرة عليها تغلق البئر محل الفحص فورا".
وأعرب أبو نقيرة عن قلقه لتدهور نوعية المياه في القطاع، بعد زيادة مستويات التلوث شهرا وراء شهر، خاصة في ظل اندفاع مياه البحر ناحية الشرق واختلاطها بالمياه الارتوازية، وهو ما يوافقه فيه مدير دائرة الصحة والبيئة في محافظة رفح قائلا "المراقبة وصلت إلى أماكن التصنيع الغذائي التي تدخل فيها المياه، مثل المخابز التي منعت من استخدام مياه الآبار غير المحلاة، والملوثة كيميائيا لارتفاع نسبة الأملاح والنترات فيها، ويلتزم ملاكها والعاملون فيها باستخدام مياه محلاة ومعقمة، وفي حال كان هناك مخالفة يغلق المخبز فوراً، في محاولة لتقليل خطر التلوث الكبير".

