الواضح جلياً أن ملف المصالحة الفلسطيني انتقل إلى مرحلة جديدة من التعقيدات، في ظل استمرار حركة فتح بالمطالبة بتمكين حكومة التوافق من تولي مسؤولية قطاع غزة، فيما تطالب حماس وبقية الفصائل الفلسطينية بتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، لاعتبار أن الحكومة الحالية تشارك في الحصار المفروض على غزة.
وترفض حركة فتح مبدأ قيام هذه الحكومة بصرف رواتب لموظفي غزة الذين عينتهم حماس عام 2007 عقب الانقسام، رغم أن هذا ما نصت عليه اتفاقات المصالحة المختلفة، وبناء عليه ترفض حماس تسليم الحكم بشكل كامل إلى هذه الحكومة.
وكان عضو المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية، قال في تصريحات صحفية نشرت مؤخراً: إن الجهود المصرية الأخيرة لدفع المصالحة الفلسطينية إلى الأمام "اصطدمت بحائط الرفض من رئيس السلطة محمود عباس، وإن فتح تحاول خلط الأوراق والدخول بمناكفات إعلامية لإشعال وإشغال الحالة الفلسطينية".
وشدد على ضرورة رفع العقوبات عن قطاع غزة "بلا مواربة ولا استخفاف بعقول الناس"، مؤكداً في ذات الوقت على ضرورة البدء بتشكيل حكومة وحدة وطنية لتمارس مهماتها لاعتبار أن حكومة رامي الحمد الله "لم تعد قادرة وليست مؤهلة ولا أمينة على أن تقود شعبنا وتدير أمره لأنها أصبحت جزءا من الحالة المؤسفة وجزءاً من الحصار".
هل نحن أمام انفصال؟
يقول المحلل السياسي طلال عوكل، إن فشل جهود المصالحة الفلسطينية ستقود الحالة الفلسطينية إلى مرحلة الانفصال الفعلي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، مشيراً إلى عدة سيناريوهات سيذهب إليها الوضع السياسي الفلسطيني في حال لم تنجح جهود إنهاء الانقسام.
وقال عوكل لـ"الاستقلال": "في حال فشل المصالحة قد يكون الخيار الأوفر حظاً لضمان عدم حصول هذا الانفصال هو ذهاب الشارع الفلسطيني إلى عقد انتخابات شاملة يستطيع من خلالها الشعب اختيار قيادته الجديدة التي من واجبها حل كافة آثار الانقسام الفلسطيني".
والأسبوع الماضي طالبت حركة فتح، باللجوء إلى الانتخابات التشريعية لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وردت حركة حماس باستعدادها لإجراء انتخابات شاملة تضم التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني.
وحول السبب في عدم عقد هذه الانتخابات رغم استعداد الطرفان عقدها في التو واللحظة، قال عوكل: "في الحقيقة الطرفان لا يريدان الانتخابات قبل تحقيق المصالحة، إذ أن حركة فتح تريد من خلال المصالحة السيطرة على الحكم بغزة والقضاء على الأقطاب الفتحاوية المنافسة التي تعمل بغزة (تيار دحلان)، وبالتالي زيادة شعبيتها على حساب شعبية التيار المعارض داخل فتح، فيما حماس تريد من المصالحة ضمان حقوق موظفيها وتثبيت وضعها كحزب معارض في المؤسسات الوطنية قبل إجراء أي انتخابات".
وأوضح عوكل أن الوضع الصحي والطبيعي هو أن يتم تحقيق المصالحة قبل عقد الانتخابات لضمان إجراءات عقدها بشكل سليم، ولضمان عدم تكرار نموذج الانقسام الفلسطيني عام 2007 في حال لم تعجب نتائج الانتخابات حزباً معيناً.
إفشال واستهتار
فيما يرى المحلل السياسي عبد الستار قاسم، أن حركة فتح ساهمت بشكل رئيس في إفشال الجهود المصرية لتحقيق المصالحة، وتعاملت باستهتار واضح في آخر جولات المصالحة التي عقدت في القاهرة.
وقال قاسم لـ"الاستقلال": "إن فشل المصالحة الفلسطينية سيؤدي إلى مزيد من الانقسام وتشرذم الحالة الفلسطينية ووصولها إلى مرحلة قيام دولة في غزة تعيش بالمساعدات والمشاريع الاغاثية الدولية، ودولة في الضفة تعيش من خلال التنسيق الأمني مع إسرائيل والتبعية الكاملة لها".
وأشار إلى أن حركة فتح تعول على العقوبات التي وضعها رئيس السلطة محمود عباس ضد غزة من أجل دفع حماس نحو المصالحة، فيما تعول حماس على الميول والمساندة الفصائلية لها التي تجد أن خطوات حركة حماس عملية بشكل أكبر من خطوات حركة فتح لتحقيق المصالحة.
وأضاف قاسم: "إن بقاء الوضع على ما هو عليه الآن، هو المزيد من ضياع كافة التضحيات التي بذلت لأجل قضيتنا الفلسطينية منذ نشأتها، وهذه هي أكبر خدمة يمكن أن تقدم للاحتلال الإسرائيلي".
ولفت المحلل السياسي النظر إلى أن فشل المصالحة سيخلق كيانين فلسطينيين منفصلين، وحينها سيتعذر على العالم تحديد الوجهة الشرعية للشعب الفلسطيني، إن كانت الجهة التي تعترف بالرباعية الدولية (فتح) أو الجهة التي فازت في آخر انتخابات فلسطينية (حماس).
وبيّن أن مثل هذا الواقع سيؤدي إلى عدم قدرة الفلسطينيين على الدفاع عن أنفسهم في محافل العالم أمام الانتهاكات الإسرائيلية.

