بقلم: فاتنة الدجاني
مثل «حوّام الخميس»، تعود فكرة الكونفديرالية الفلسطينية الأردنية الى العبور في الفضاء السياسي الفلسطيني، وتختفي لعام ثم تعود. و»حوّام الخميس» في الموروث الشعبي الفلسطيني يُطلَق على موسم هجرة الطيور، ويتوافق تقريباً مع الخميس الأخير من صوم الفصح المسيحي.
تحوم فكرة الكونفيديرالية منذ العام 1936، في ضوء تقرير «لجنة بيل» البريطانية في أسباب الثورة الفلسطينية التي اندلعت في ذلك العام. يومها، أوصى التقرير بإنهاء الانتداب على فلسطين وتقسيمها بمنح اليهود استقلالاً في مستعمراتهم وإقامة دولة يهودية تضم مدن الساحل من عكا الى أسدود، في مقابل ضم باقي الأراضي الفلسطينية الى إمارة شرق الأردن، من دون الاعتراف بالسيادة الفلسطينية.
لكن هذه الصيغة الأولى للكونفيديرالية وصلت الى طريق مسدود بعدما توصلت الحكومة البريطانية الى نتيجة مفادها أن التوصيات غير مجدية وغير قابلة للتنفيذ. وإن كانت فكرة الكونفيديرالية تختفي لتعود، فإنها تحوم باختلافات، أولاً لمصلحة اليهود كلما تقدّم الزمن، خصوصاً مساحة الأرض، وثانياً لجهة إعادة تعريفها وتوليفها في إطار الزمن السياسي الراهن.
أدق مراحل التوليف وأخطرها كانت محاولة الدفع بمبادرة الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان من «فظاظة» الطرح الإسرائيلي، الى «واقعية» الطرح العربي - الفلسطيني الذي مثّلته قمة فاس عام 1982 ومحاولة تحقيق السلام في الشرق الأوسط، ثم الأوضاع التي نجمت عن حصار بيروت وإبعاد منظمة التحرير الفلسطينية عنها.
مبادرة ريغان دعت الى حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة مرتبط بالأردن، كأفضل فرصة لسلام دائم وعادل وثابت. أي فرض الحل الإسرائيلي. فجاءت فكرة الكونفيديرالية من الفلسطينيين والعرب كحل «يُطمئن» الجانبين الأميركي والإسرائيلي الى المسألة الأساسية، وهي الأمن، وفي الوقت ذاته يعطي الفلسطينيين بعضاً من كيانية تنامت خلال السنوات العشرين الماضية من صعود المقاومة الفلسطينية، وكذلك يزيل التحسبات من هيمنة فلسطينية على الأردن.
منذ ذلك الحين، لم تخرج الإدارات الأميركية عن الخط العام الذي وضعته مبادرة ريغان، خصوصاً إدارات الجمهوريين. حتى عندما كانت تميل نسبياً الى فكرة دولة فلسطينية مستقلة، أثناء تولي الديموقراطيين، فإنها سرعان ما تعود الى فكرة ريغان مع عودة الجمهوريين.
آخر عودة لفكرة الكونفيديرالية كشفها الرئيس محمود عباس أخيراً، إذ اقترحها عليه فريق السلام الأميركي المكوّن من مستشار الرئيس صهره جاريد كوشنير ومبعوث السلام جيسون غرينبلات. ذلك يعني أن هذه الفكرة في صلب «صفقة القرن» الأميركية، وبُحثت على أعلى مستوى أميركي. لكن الأهم أنها استحضار لمبادرة ريغان. ولا غرابة، خصوصاً مع إعجاب الرئيس دونالد ترامب المطلق بالريغانية، مع التسليم بإعطاء الفلسطينيين ما يعزز فكرة «استقلالهم» من خلال التسليم قانونياً بفكرة الكونفيديرالية. فليس هناك من يقبل بـ «كونفيديرالية» إلا بين دولتيْن.
ولأن خيار الكونفيديرالية مليء بالأفخاخ، من الطبيعي أن يعلن الأردن أن الفكرة ليست قيد البحث الآن، وأن يُصر على الاعتراف بالدولة الفلسطينية أولاً. أما الرئيس عباس فناوَر مطالباً بانضمام إسرائيل الى الكونفيديرالية، مدركاً أن ذلك مستحيل. ذلك لا يعني أنه ضد فكرة الكونفيديرالية، إذ لم يكن بعيداً من تطورها، لكنه يرى أن هذه المسألة تستدعي الانتظار الى حين تغيُّر الظرف الأميركي.
أما إسرائيل فترفض الكونفيديرالية بالمعنى الذي يفهمه الفلسطينيون، لأنها تُرتب عليها التزامات، بل تفضل تفسيرها باعتبارها علاقة بين الأردن وحكم ذاتي في الضفة، وإن رأى رئيس الوزراء السابق إيهود باراك أن المطلوب من الدولة العبرية استكمال ما عليها لتحقيق هذه الفكرة بدل تضييع الوقت.
من خصائص «حوّام الخميس» أنه عابر، يمر من دون أن يهبط على أرض فلسطين، فهو للفرجة وإعلان الربيع، وليس للصيد. كذلك هو «حوّام الكونفيديرالية».
بالاتفاق مع "الحياة"

